الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
27
نفحات الولاية
أمّا قوله عليه السلام « فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً » والركبان جمع راكب وذلك لأنّ الراكب من يكون مختاراً ، ولا اختيار لهؤلاء ، وقوله عليه السلام « فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً » لأنّ الضيف يرد برغبته وإرادته إلى المكان الذي يستقبل فيه ، وقد ورد مثل هذا المعنى في الخطبة 188 من نهج البلاغة إذ قال عليه السلام : « حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ ، وَأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ » . ثم قال الإمام عليه السلام مواصلة لوصفهم : « وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ « 1 » أَجْنَانٌ « 2 » ، وَمِنْ التُّرَابِ أَكْفَانٌ ، وَمِنْ الرُّفَاتِ « 3 » جِيرانٌ » . فالعبارة إشارة إلى أنّ قبورهم خالية من البناء والسقوف والأعمدة والأبواب والنوافذ ، فهي ليست أكثر من قبضة من الحجر والتراب على وجه الأرض ، والتعبير عن التراب بالكفن فذلك لأنّه يحيط ببدن الميت ويواريه كالكفن ، وأمّا ذلك الكفن الذي يلف به الميت فهو مؤقت سرعان ما يبلى ويزول ، ولا يبقى سوى الكفن الأصلي وهو التراب . والجدير بالذكر هو أنّ الإمام عليه السلام واصل كلامه بالحديث عن هؤلاء الجيران وهم ليسوا أكثر من عظام نخرة ، فيكشف النقاب عن حقيقة وضعهم بعبارات غاية في الجمال والروعة ، وبما يدعو للتأمل والاعتبار : « فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً ، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً « 4 » ، وَلَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً « 5 » » . أضف إلى ذلك فهم على درجة من عدم الإكتراث بأي شيء بحيث : « إِنْ جِيدُوا « 6 » لَمْ يَفْرَحُوا ، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا . جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ ، وَجِيرَةٌ « 7 » وَهُمْ أَبْعَادٌ . مُتَدَنُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَقَرِيبُونَ لَا يَتَقَارَبُونَ » . حقاً ، أنّهم عبرة لمن اعتبر وأوضاعهم مدعاة إلى التأمل والنظر ، فكل شأن من شؤونهم يختلفت ماماً وما عليه الحال بالنسبة لأهل الدنيا ، فقد كانوا معاً حتى أمس القريب ، ينجد
--> ( 1 ) « صفيح » : وردت هنا بمعنى وجه الأرض ، من مادة « صفح » على وزن مدح . ( 2 ) « أجنان » : جمع « جنن » على وزن كفن بمعنى القبر ، وأصلها بمعنى التغطية والستر ، ولما كان القبر يستر بدن الميت فقد اطلق عليه الجنن . ( 3 ) « رفات » : بمعنى كل شيء بالي ومتعفن ، كما يراد بها العظام المندقة المحطومة والمتنافرة . ( 4 ) « ضيماً » : له مفهوم المصدر واسم المصدر ويعني الظلم . ( 5 ) « مندبة » : من مادة « ندبة » بمعنى البكاء . ( 6 ) « جيدوا » : من مادة « جود » على وزن قوم مبني للمجهول بمعنى مُطروا . ( 7 ) « جيرة » : جمع « جار » وغالباً ما تجمع جيران .